top of page

الناس معادن و تُعرف في الشدائد


بقلم : هيا العقيل


لطالما تردّد على مسامعنا منذ الصغر، أنّ الناس معادن، وأنها تُعرف بالشدائد، و كبرنا؛ و بدأت عجلة الحياة تقذف بنا هنا و هناك في طريق بشر، و يُقذف آخرون في طريقنا نحن أيضا


و تمرّ الأيام.. و تكشف لك الشدائد ما كنتَ عنه غافلا؛

فتكتشف أن مَن اعتبرته صديق، قد كان ألدّ أعدائك دون أن تدري؛ إما لسذاجتك أو لبراعة تمثيله


و تقع، فلا تجد من توقّعت أنه أول الساندين لك، بلا أدنى تبرير من جانبه


و تُخطئ .. فتجد من وقفتَ بجانبه تُعاونه ليصحّح أخطاءه أول الشامتين بك، يبتعد عنك بعد أن كان بك لصيق حسب مصالحه


و تُفاجِئك الحياة أكثر؛ فتقلب الموازين، لتختبر صبرك ولتكشف لك رُغما عنك حقيقة بعضهم، فتجد عندها في نوايا بعضهم.. ما يُذيب القلب لِنُبله، و منها ما يصدمك لدناءته


أن تُخطئ.. فجميعنا يُخطئ، و مَن هو المعصوم عن الخطأ؟


أن يُساء فهمك .. و مَن أنت حتى لا يُساء فهمك من قِبَل بعضهم ؟


أن تعتذر إن أخطأت.. فهذا واجب عليك، لا منّة و تفضّل من حضرتك


أن تقول الحق و تجد من يهاجمك و يعاديك؛ فجميع من قالوا الحق وصمدوا أمام الباطل عبر التاريخ والعصور، وجدوا على الدوام من يُعاديهم ويقف ضدهم


أما أن تضمن أن يحبّك الجميع، و أن يضمروا لك الخير وإن بذلتَ كل جهد لضمان ودّهم؛ فهذا استحالة و سذاجة من جانبك، فإذا كان الأنبياء

- و هم أفضل خلق الله - لهم أعداء


{ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [سورة الأنعام]


{وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} [سورة الفرقان]


ف مَن أنا و أنت لنكون بمنأى عن ذلك ؟


و لا تتفاجئ إن جاءتك الإساءة من القريب و ليس فقط من البعيد، فهذا ابتلاء؛ فها هو عم الرسول -عليه الصلاة والسلام- قد كان من ألدّ أعدائه، و لو كانت النجاة من الابتلاء برهانًا على استقامة المنهج وصواب المسار، لكان الأنبياء أَولى الناس بها وأبعَدَهم عنها، إنما هي سنّة الله في هذا الكون أن يُبتلى الإنسان ويُختبر في الغالي والنفيس، والرخيص والوضيع ،حتى تتمحّص النفوس، فمَن صبر جزاؤه عظيم، و مَن جزع أعاد ترتيب حساباته بما يُرضي الخالق لا بما يرضي البشر


لو كانت النجاة من الابتلاء برهانًا على استقامة المنهج وصواب المسار، لكان الأنبياء أَولى الناس بها وأبعَدَهم عنها


و كن قويّا، و تقبّل حقيقية أنه ليس بالضرورة أن يُساء إليك و يُساء فهمك لخطأ من جانبك، أو لخلل في شخصيتك؛ فإن كان بعض البشر عاجزين عن فهم ذواتهم، فهل تتوقع منهم أن يفهموا مَن حولهم؟ وإن كان بعضهم يبغض نفسه، فلماذا تتفاجئ حين تجده بلا سبب واضح يبغضك؟


يقول دوستويفسكي:

ﻻ داعي للدهشة، كل شيء يمكن أن يقع للإنسان، حتى اﻷمور التي كان ﻻ يتصورها في الحلم


إنك لو توغّلت في قلوب بعضهم، و أخذتَ جولة في عقولهم، ثم حللتَ ضيفا في رحاب نواياهم، لتمنّيتَ لوهلة لو أنك بقيت أعمى و أصم؛ ذلك أنك قد تجد في بواطنهم ما لم تتوقعه يوما، بعد أن كنتَ تعتقد أنهم قدوة في صفاء ونقاء قلوبهم


و صدق الإمام الشافعي حين قال:

فما كل من تهواه يهواك قلبه..

و لا كل من صافيته لك قد صفا


الصفاء و النقاء من صفات القلوب الطاهرة، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن ذو القلب الأسود مهما بذلت له من جهد، لن يرى فيك سوى انعكاس لسواد قلبه، وليس انعكاس لما في قلبك و حقيقتك؛ و تذكّر أنَّ مَن يفتقر لمميّزاتك سيكون هو نفسه أول الناقدين لها، لا لعلّة فيك إنما لنقص كبير من جانبه


لا تحزن، لأن الله يحبك فأظهر لك رغما عنهم ما تضمر قلوبهم، لأنك أنقى من أن تكتشف بنفسك ألاعيبهم وخداعهم، و الفظهم من حياتك؛ ذلك أن مَن نفضَ يديه منك بعد أن حقّق غايته و انتهت مصالحه، و مرّ بجانبك كأنه لا يعرفك و تعرفه، فأَوْلى به قارعة الطريق وليس قارعة قلبك


عمّر قلبك بالخير دوما، مهما أحاطتك الحياة بنفوس لا تتمنى لك أدنى خير، ليس لأنهم يستحقون، بل لأنك عبد لربّ كريم أخبَرنا و وعدنا في كتابه العزيز :

( إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا )


و إذا أتاك الخير من رب الخير، ما همّك ما أتاك بعدها من.. العبيد!


و إذا أتاك الخير من رب الخير، ما همّك ما أتاك بعدها من.. العبيد!

و السلام ..



 
 
 

Comments


Subscribe Form

Thanks for submitting!

  • Facebook
  • Twitter
  • LinkedIn
  • Instagram

©2020 by Haya Alaqeel. Proudly created with Wix.com

bottom of page