top of page

في حضرة القطيع (The Herd)

لوحة "الشرود عن القطيع"، وهي للرسّام البولنديّ توماس كوبيرا.





في حضرة القطيع: لماذا نتبع الآخرين دون وعي؟

بقلم : هيا العقيل



من قال لك .. بأن عليك أن تكون مع القطيع حتى تنام و تستريح

و من قال لك .. بأنك في مأمن ما دمت في أحضان القطيع

و مَن قال لك .. بأن القطيع نَفسه يعلم إلى أين هو من الأساس يسير

و مَن قال لك .. أنك ستصبح أسعد لو غدوتَ و فصّلت مقاساتك بما يتناسب و مقاسات.. القطيع


انتشر القطيع ( البشري ) في كل مكان، وكأننا في غابة نُساق فيها، لا في مكان هُيِّئ لرسالة إلهية تتحقق عبر بشر أحرار في الفكر والعقل والمنطق والتحليل والاختيار؛

قطيع في العائلات

قطيع في المدارس

قطيع في الجامعات

قطيع في الشوارع

قطيع في المجتمعات

قطيع في وسائل التواصل الاجتماعي



كل قطيع يتبع قطيعًا آخر أوهمه، بطريقة ما ، أنه أفضل منه، ولا أحد يحاول أن يبحث ويكتشف أصل ومنبع ما يتداوله هذا القطيع؛


رقصةٌ جديدة؛ رقصنا على إيقاعها، و قلّدنا حركاتها، حتى غدونا نسخًا ممسوخة من بعضنا


أغنية جديدة، رددنا كلماتها - الخادشة - بألسنتنا، و كأنها قطعة حلوى تذوب في أفواهنا


أكلة جديدة، وقفنا طوابير بانتظار التهامها


" ترندات " جديدة، دفعنا الغالي و النفيس لمجاراتها


موضة جديدة، تهافتنا إلى الأسواق لانتقائها


لعبة جديدة، تفاخرنا بكونها على رفّ أشيائنا


أبر جديدة، هرعنا للعيادات لحَقْنها في أجسادنا


و ما همّنا بعد ذلك.. لو أُتعبت أبداننا، و استُنزفت أموالنا، و غُيّبت أذواقنا، المهم أننا نفعل ما يفعل .. الجميع!


و ما همّنا بعد ذلك.. لو أُتعبت أبداننا، و استُنزفت أموالنا، و غُيّبت أذواقنا، المهم أننا نفعل ما يفعل .. الجميع!

في عالم يعجّ باللامعنى، باللاهدف، باللاوعي، و نُساق فيه مُكِبّين على وجوهنا، متبنّين عقلية القطيع و متوّهمين أننا أصحاب القرار في ما نقول ونفعل ونسمع ونرى؛ هناك في مكان ما، مَن يُخطّط في الخفاء، و يحلّل، و يدرس، و يتدارس، كيف يضمن سيْر هذا القطيع و هو مغمض العينين إلى الهاوية دون أن يُدرك لوهلة أنه يُساق من الأساس، معتقِدا هذا الأخير بسذاجته؛أنه يمشي في  الطريق اختيارا، وهو في الحقيقة يُقاد بحبل خفي انقيادا


في أيّامنا هذه، التي نحن فيها كغثاء السيل، عدد بلا عدّة، تلك العُدّة التي لا تقتصر على القوة المادية، بل تشمل أيضا القوة الفكرية بما فيها من تحليل و تمحيص و تفكّر و تفكير، باتت الحاجة ماسّة إلى وقفة جدّية مع أنفسنا، إلى خطوةٍ نعود فيها قليلًا إلى الوراء تتّسع معها العدسة التي نرى من خلالها العالم. أن نتوقّف على مسافة و لو قصيرة من القطيع، و أن نشكّ في كل ما نستقبله منه، و ألّا نبتلع و نهضم ما يُقدّمه لنا قبل أن نعرف مصدره، و ماهيته، والهدف من وراءه، هذه الخطوة ضرورة لا مفرّ منها للحفاظ على إنسانيتنا و حريّتنا و تفرّدنا كمخلوقات اختارها الله لتحمل ما أبَت السماوات و الأرض عن حمله...


و أن نحذر من إغراءات القطيع


ففي حضرة القطيع..

ستشعر بقوّته تجتاحك، فتُدفن أصالتك رويدا رويدا لا دفعة واحدة، تحت ركام من التشابه و التكرار و الاستنساخ


في حضرة القطيع..

ستبهت حتى تغدو ظلّا للآخرين، و تخمد لديك حرارة التفكير و التشكيك، و تنطفئ جذوة السؤال


في حضرة القطيع..

ستسمع صوت الكثرة يعلو و يعلو، و حين تحاول أن ترفع صوتك لتسأل و تفهم، فإنك ما تلبث - مع كثرة الأصوات المتشابهة حولك - أن تتراجع و تنكمش على نفسك، ليس لأنك على خطأ، بل رغبةً منك في النجاة من الوحدة.. وحدة الاختلاف


في حضرة القطيع..

يُقايَض تفرّدك بدفء الانتماء؛ ذلك الدفء الذي يخدع صاحبه، فيظن أنه أمان، بينما هو  مجرد ذوبان بطيء في الآخرين في كثير من الأحيان


أنتَ ..في حضرة القطيع، ستكون :

تابعا

متأخرا

لاهثا

متعَبا

مصطنَعا

مستنزَفا

متكلّفا

و الأهم أنك ستكون.. لستَ أنت


القطيع..

لا يطلب منك الكثير،  يطلب الطاعة بلا ضجيج؛ أن تؤمن بما يؤمنون، وأن تحب ما يحبّون، و أن تقلّد ما يفعلون، و أن تشكّ في نفسك كلما فكرت خارج الإطار الذي في حدوده يفكرون . و هنا تتحول معهم إلى نسخة بلون جديد تحمل نفس الشكل و المضمون، وعندها لا تشكّل بالنسبة لهم أي تهديد.. فيطمئنون


إننا حين نولد فإننا نولد أحرار الفكر بالفطرة، و لكننا مع مرور الأيام ننسى أن نضع حدود تحفظ ما رزقنا الله به من فكر و تفرّد و مواهب و تميّز؛ فنذوب في الآخرين حدّ الغرق، ونخلع عنا ما أنعم الله به علينا، كل ذلك مقابل ماذا؟ مقابل أن نسلك الطريق الأسهل و لا نتحمل عبء الاختلاف


ثمة فكرة واقعية في وصف عقلية القطيع تقول: إنهم يتبعون شخصًا ما، لا لشيء إلا لأنه يركض أمامهم


ثمة فكرة واقعية في وصف عقلية القطيع تقول: إنهم يتبعون شخصًا ما، لا لشيء إلا لأنه يركض أمامهم

كم..

كم من فكرة وُئدت لأنها غريبة

وكم من حقيقة اندثرت لأنها لم تُرضِ القطيع

وكم من إنسان كان يمكن أن يغيّر شيئا، لو أنه تجرأ على أن يقف لحظة خارج الصف، ويسأل : ماذا لو كان الطريق خطأ أيها القطيع ؟


ليست المشكلة في الجماعة، فالجماعة ضرورة إنسانية، وملاذ عند المحن و الشدائد، و بيئة صحية يُشبِع فيها الانسان حاجته الاجتماعية التي هي جزء من تكوينه. لكن الكارثة تبدأ حين تتحول الجماعة إلى بديل عن العقل، وحين يصبح الانتماء ثمنه التخلي عن الأصالة و عن الذات. إذ ليس أعظم من أن يكون الإنسان مع الآخرين دون أن يفقد نفسه


و في ديننا العظيم، أخبرنا الله عزوجل أن الكثرة ليست مقياس للحق، و حذّرنا من اتباع أغلبية الناس في معتقداتهم وأفعالهم فقط لأنهم كُثر، فهم غالبًا على ضلالة لا على يقين، و أن الميزان هو الحق لا الكثرة،  يقول الله عزوجل : ( وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ)

سورة الأنعام


نعم، قد تدفع ثمن تفرّدك، هذا صحيح،  لكن ثمن أن تتبع الناس فقط لأنهم كُثر قد يكون أكبر من ذلك بكثير


يقول نيتشه في كتابه ( هكذا تكلم زرادشت):

«لا راعٍ وقطيع واحد! الجميع يريد الشيء نفسه، والجميع متشابهون، ومن يشعر بالاختلاف يذهب طوعًا إلى المَصَحّ»


و تذكر..

أنّ من خُلّدت أسماؤهم عبر التاريخ هم أنفسهم من امتلكوا الجرأة ليفكروا...خارج عقلية القطيع


و السلام


 
 
 

Comments


Subscribe Form

Thanks for submitting!

  • Facebook
  • Twitter
  • LinkedIn
  • Instagram

©2020 by Haya Alaqeel. Proudly created with Wix.com

bottom of page