top of page

الرياء .. ( ليُقال، و قد قيل ! )

4 hours ago
5 min read



بقلم : هيا العقيل .



نعيش في زمن ما عدنا نشعر فيه بالزمن،

نمضي في حياة ما عاد فيها طعم للحياة،

يحيا الإنسان فيها ، فاقدا لمعنى الإنسانية؛ تلك التي جعلت منه في المقام الأول .. إنسان


بِتْنا كلوحة فنية ملوّنة مزركشة جميلة، تنسحب منها خيوط الألوان رويدا رويدا.. فتتناقص فيها ألوان الحياة، حتى غدت بمرور الوقت؛ شاحبة، ذابلة، باردة، جافة من المعنى الحقيقي.. للحياة


نتهافت لنحصل على كل شيء، في مكان؛ من المفترض فيه أنه مكان لأداء اختبار


( الدنيا ) هو اسم هذا المكان ..

نتنافس و نتهافت على ابتلاع و نهب ما فيها من خيرات، فجعلناها دار مستقرّ و مقام، بدلا من أن تكون دار عمل و ممرّ انتقال


سمحنا لها أن تستحوذ على كل ما فينا ..

حتى غدَونا من جوع إلى جوع،

و من فقر إلى فقر؛ و إن كان فقير هذه الأيام أكثر غنى

من بعض ملوك الزمان


و لا نرضى،

و لا نشبع،

و لا نقنع،

و لا نعتبر ممن جاء قبلنا و غادرها بقطعة كفن، و لم يرجع!


معظمنا ..

يريد؛ الشهرة و الظهور و البروز و الحضور،

يتكلم؛ و إن كان كلامه لا يسمن و لا يغني من جوع،

يلهث؛ ويركض ركض الوحش المسعور؛

معتقِدا بذلك أن لن يفوته شيء، لكن المشكلة أنه هو نفسه لا يعلم ما هو تحديدا .. هذا الشيء المنشود


يركض،

ثم يركض ..

و يركض

و يركض؛

يركض في جميع الاتجاهات

حتى يعود في نهاية يومه متعبا منهكا.

ينام سريعا ليُعاود الكرّة في يومه التالي،

هكذا .. ببساطة

حتى تنقضي الأيام و السنون، و تنقضي الحياة و تتوقف الأنفاس فلا تعود


و بدأنا نتجرّد من إنسانيتنا بحجّة أننا نتطوّر و نتقدّم،

و كأننا آلات؛ صُممت للعمل، و للفت النظر، و لتلقّي الإعجابات و التعليقات و (اللايكات) من البشر.

كل هذا .. بلا روح و لا تفكير و لا تأمُّل و لا أدنى اجتهاد أو عمل، أو إدراك حقيقي لمَ كل هذا البذل و الكدّ و التعب


و تفكيرنا و تحليلنا  بدأ ينساب من بين خلايا عقولنا و أدمغتنا، و كيف لا ؟  و قد أوكلنا - بإرادتنا - لاختراعاتنا العظيمة مهمة التفكير نيابة عنا؛ بمشكلاتنا، و معضلاتنا، و مشاريعنا، و مشاعرنا، و  عُقَدنا، و خططنا،

و نحَّيْنا عقولنا جانبا فبدأت تعاقبنا بأن تتعفن و تتقزَّم


إنسان هذا العصر يعيش

صراع شرس لا هوادة فيه؛

بين إنسانية تحتضر، و عصر سريع لا يرحم


يتمنى معه لو باستطاعته أن يوقف عجلة الأيام؛ ينسحب من ضجيج الحياة بأكملها، و ينزوي بنفسه و لو لفترة؛ يلملم شتاتها، يجلس معها وجها لوجه، مفكِّكا إياها، محاوِلا فهمها، لامسا بيديه أماكن ضعفها. يعيد ترتيب حساباته، و يجدّد إيمانه بقيمه و مبادئه، و يراجع أولوياته، علّه بذلك يعود لتوازنه الذي اختلّ؛ قبل أن يختلّ عقله معه، فيكون عندها قد فات الأوان

و ضاع الأمل


و الأهم أن يتحسّس الغاية الحقيقية من وجوده، تلك التي شوّهتها السرعة

و المفاهيم المزيّفة التي لقمّوه إياها عن النجاح في هذه الدنيا؛ من شهرة

و تصفيق و مظاهر و تفاخر و تنافس بيننا نحن بني البشر


النجاح الحقيقي..


أين نحن من .. الشهرة الحقيقية ؟ تلك التي تكون بين أهل السماء قبل أهل الأرض .. و من الاحتفاء الحقيقي ؟ ذاك الذي يكون من الملائكة التي تسجّل أعمالنا في كل دقيقة ..

أين نحن من ..

الشهرة الحقيقية ؟

تلك التي تكون بين أهل السماء قبل أهل الأرض ..

و من الاحتفاء الحقيقي ؟

ذاك الذي يكون من الملائكة التي تسجّل أعمالنا في كل دقيقة ..

و من تقوى؛ تجعل من أعضاء الجسد الواحد أغراب بعضهم عن بعض؛ فلا تعلم ما أنفقت اليمين عن الشمال

كل ذلك ابتغاء الأجر ممن عرشه اعتلى السماء، لا من عبيد ليسوا أكثر من ومضات في عمر الزمان


منذ أن فتحتُ عينيَّ على هذه الدنيا و بدأت أفهم و أعي ..

و أنا أرى و أسمع أبي الحبيب يردّد على مسامعنا حديث رسولنا الكريم في صحيح مسلم، و الذي بما معناه :


( إن أول مَن تسعّر بهم النار يوم القيامة ثلاثة: رجل تعلّم العلم و علّمه، و قرأ القرآن ، و عمل الخير، لكنه فعل ذلك ليُقال عنه: عالم و قارئ. و رجل أنفق ماله و تصدّق به، لكنه فعل ذلك ليُقال عنه : جواد و كريم. و رجل قاتل و بذل نفسه، لكنه فعل ذلك ليُقال عنه : شجاع


فيُقال لكل واحد منهم: قد نلت ما كنت تطلبه من الناس؛ فقد قيل عنك ما أردت، ثم يؤمر به إلى النار )


إلى النار !! بعد كل الذي فعله .. ثمَّ هو إلى النار !!


و كنت أقول في نفسي، و ما الضير من هذا إن كان العمل صالح في النهاية، و لمَ كل هذا التشديد ؟!


ثم عشتُ ..

و كبرتُ ..

و فهمتُ ..


و أصابني الرعب حين أنا فهمت؛

فهمت معناه و تعمّقتُ بين ثنايا مقصده

( و قد قيل!! )


الله الذي يعلم السرّ و أخفى ..


إذا كان هو قد علّم ليُقال ؛ إنما يعني هذا أنه قد بذل جهدا و وقتا للعلم و طلبه؛ تعلّم بدايةً، ثم هو بعد ذلك لم يقعد، بل اتخذ خطوة و قام بنشر علمه النافع بين الناس، إلا أنه و رغم كل ذلك فإنّ جهنم ستُسعّر به، و ستلتهب شرارتها و  نيرانها الملتهبة الأولى بحضرته،

لأن هدفه في المقام الأول كان الخلْق، لا خالقهم


أراد .. ليقولوا


أراد العلم .. ليقولوا : فلان عالم فقيه

أراد الإنفاق .. ليقولوا : فلان سخيّ جواد

أراد القتال .. ليقولوا : فلان جريء مقدام


و قد كان ..

و حين هو مات أشارت الناس إليه كبطل سواء أكان؛ عالم، أم شهيد، أم منفق


و قِس على ذلك؛

يكتب

ينشر

يعلم أولاده في أفضل المدارس

تتزوج ابن فلان

يتطوع في الخير

يعطي محاضرات .. الخ


أليُقال؟

ثم إلى أين ؟


كل هذا تحدّده النية،

ما أعظمك أيتها النية!

لا نستطيع الإمساك بك و لا نعلم تحديدا أين هو مكانك،

لكننا نعلم يقينا مكاننا إن نحن لم نجعلك صافية في أعمالنا


تحدّدينَ مصيرنا و أعمالنا؛

ترفعيننا فنرقى، أو تهوين بنا فنردى 


تحدّدينَ مصيرنا و أعمالنا؛ ترفعيننا فنرقى، أو تهوين بنا فنردى ..

و أدركتُ لمَ كان جهاد النفس من أعظم أنواع الجهاد ..

جهاد تضع فيه جهدا عظيما، تخوض فيه معركتك التي تنشب داخلك؛

مضماره أنت،

و أطرافه أنت.. و أنت،

و المنتصر و المنهزم فيه أيضا.. أنت


معركة لا تنتهي حتى آخر يوم في حياتنا، نخوضها في إصلاح سرائرنا

و نيّاتنا - تلك التي نحاول الإمساك بها كلما تفلتّت منا، و ترويضها كلما حادت عن الطريق - و في تذكير أنفسنا، بأن إنجازاتنا و نجاحاتنا ما لم تُسرِّع من خطواتنا على الصراط يوم الحساب؛  فما هي إلا إنجازات جوفاء خاوية، ستُثقل كاهلنا حتى ننظر أسفل منا فتبتلعنا النيران و تكن سببا في هلاكنا


و لنتذكّر قول حبيبنا المصطفى : (... استفت قلبك، البرّ ما اطمأنت إليه النفس و اطمأن إليه القلب، و الإثم ما حاك في النفس، و تردد في الصدر، و إن أفتاك الناس و أفتوك )


و أقول لنفسي، ثم لك :

اعمل الخير و جاهد نيّتك،

ولا تتّبع الأغلبية  لأنهم كثر.. اتّبع الطريق الصحيح و لو كنت وحدك، وانهض كلما وقعت و أكمل رحلتك حتى النهاية


و صدق الشاعر أبو العتاهية حين قال :


أَحسَنَ الله بِنا أنَّ الخطايا لا تفوحُ

فإذا المستورُ مِنَّا بينَ ثوبَيْه فُضوحُ



و السلام






 
 
 

Comments


Subscribe Form

Thanks for submitting!

  • Facebook
  • Twitter
  • LinkedIn
  • Instagram

©2020 by Haya Alaqeel. Proudly created with Wix.com

bottom of page