top of page

حين ينتزعنا الموت .. من أحضان الحياة

Jul 25
3 min read




على حافة الرحيل ..




بقلم : هيا العقيل



عدتُ للبيت من ذاك المشوار لكن عقلي لم يعُد، كان يوما من المفترض به أن يكون ممتعا جميلا نتنعّم فيه تحت أشعة الشمس الذهبية، و نستمتع بطرطشة المياه اللامعة، و نتلذّذ بالمشروبات الباردة، نحاول فيه جاهدين أن نجد مخرجا إيجابيا مع جو الصحراء الحار في هذا الوقت من السنة


تأخرتْ صديقتي و أطفالها عن الموعد الذي اتفقنا عليه قرابة ساعتين، و حين اعتذرتْ عن تأخّرها أخبرتني أنها أطالت المكوث عند صديقتها المريضة و أنها ستأتي فور انتهاء زيارتها لها


جاءت بعدها و بدأنا نحتسي القهوة و نتبادل الحديث، كان يبدو على ملامحها شيء من الحزن و الارتباك، فسألتها عن حال صديقتها المريضة و ما إذا كانت صحتها قد تحسّنت، فأخبرتني عنها و عن قصتها مع المرض


امرأة ما زالت في ريعان شبابها،

لديها أطفال صغار، شُخِّصت بسرطان نادر في الرحم من نوع الساركوما قبل بضعة أشهر، أخبرها الأطباء أن هذا النوع من السرطان قد يكون عدوانيا، وفي حالتها كان الخيار العلاجي هو استئصال الرحم وما حوله من الأنسجة، ثم إخضاعها لعدد من جلسات العلاج الإشعاعي، بهدف تقليل خطر عودة المرض إلى منطقة الحوض، والتأكد - قدر الإمكان - من القضاء على الخلايا السرطانية المتبقية


نجحت العملية..

ثم بعد أشهر قليلة شعرتْ بأعراض غير طبيعية، ذهبت إلى المستشفى ليخبروها أن المرض قد عاد و انتشر في منطقة الحوض والجهاز التناسلي، و كيف لا و هو المرض الصامت الخبيث، لن أكمل بقية القصة، و إن كانت مليئة بتفاصيل تستحق أن تُروى فلا فائدة منها الآن، إذ أن الخبر الأهم قد كان ما أخبرها به الأطباء في آخر زيارة لها؛ من أن الخيارات العلاجية لم تعد مجدية في الوقت الحاضر، وأن المرض بلغ مرحلة متقدمة، وأن ما تبقى من عمرها وفق التقديرات الطبية لا يتجاوز أيام قليلة


أيام قليلة ! بهذه البساطة !



أنا لا أعرفها.. لكن قلبي ذاب حزنا عليها، و لأكون صادقة أكثر؛ فقد ذاب حزنا على أطفالها الصغار؛ أخبرتني صديقتي كيف كانوا - أثناء زيارتها لها - يحومون حول أمهم، يقبّلونها بين الفينة و الأخرى، لعلمهم برحيلها الذي بات وشيكا ، هذا الشعور الذي يجعل الطفل الصغير لا يدرك كيف يتعامل مع مشاعره المختلطة، من خوف، و توتر، و حب، و قلق،

و ارتباك، و و و


وضعتُ رأسي على الوسادة لأنام تلك الليلة، لكني لم أستطع،

كيف تشعر المسكينة الآن، و أولادها، و كل من يحبها؟


المفارقة أنها تسكن على مقربة شديدة من بيتي..

و أني قد أراها يوما في الشارع، دون أن أعرف قصتها، و لا ما يعتمل في داخلها، و ربما أنزعج إن رأيت أطفالها يبالغون في حركاتهم المتوترة و أصواتهم المرتفعة، و هي لا تضبطهم كما ينبغي - في نظر أولئك الذين هم حولها- و ربما أحكم عليها من ظاهرها و أنا أجهل تماما ما تخوضه من معركة صامتة و ما تحمله في قلبها من ثقل


عندها تذكّرتُ مقولة :

إنما الناس بحار.. فلا تحكم على أعماقهم و أنت لا ترى إلا شواطئهم



عندها تذكّرتُ مقولة :

إنما الناس بحار.. فلا تحكم على أعماقهم و أنت لا ترى إلا شواطئهم

و ما هو أكيد .. أن في أعماقها دويّ لا يسمع صوته إلا هي


هل بهذه البساطة تُكتب النهاية؟

و الأحلام، و الطموحات، و الذكريات و و و و

جميعها ستُدفن قريبا معنا، أو مع من نحب، سواءا غادرناهم أم غادرونا؟


الأطفال سينامون بلا أمهم ..

و سيصبح مكانها فارغا ..

و مقتنياتها مجرّد أثر أنها قد مرّت من هنا ..

و الأحبة سيطوون صفحتها و يمضون في حياتهم و تصبح من ذكرياتهم ..


و ستمضي الحياة ..

هي تحت الأرض

و هم فوق الأرض


هكذا بكل بساطة ننتهي

و نحن الذين نعتقد أن أمامنا الكثير من الوقت، قد تلفظنا الحياة بأسرع مما نتوقع


أيتها البعيدة..

لا أعرفك ..

لكنني أعرف أن الدنيا غير مضمونة لنا جميعا، و أن يومي قد يسبق يومك في مغادرتها إن كان ذلك مكتوب لي؛

فكم من شخص خرج من بيته و لم يعد بسبب حادث مفاجئ، و كم من مريض قيل له : تهيأ للرحيل قريبا، ثم رحل من قالها له و بقي هو حيّ يُرزق



فكم من شخص خرج من بيته و لم يعد بسبب حادث مفاجئ، و كم من مريض قيل له : تهيأ للرحيل قريبا، ثم رحل من قالها له و بقي هو حيّ يُرزق


أيتها البعيدة.. لا أعلم لماذا أكتب هذا الآن

و لا أعلم أأحزن عليك أم على نفسي


لكن ما أعلمه أن علينا أن نستشعر نعمة الحياة.. و نعمة الضوء، قبل أن ننطفئ نحن لا قبل أن ينطفئ هو،

و أنّ علينا مهما كانت الظروف صعبة

أن نحسن الظن بالله


و اسمحي لي أن أهمس بأذنك :

بين المستحيل و الممكن ... أمر الله

و أمر الله لا يُعجزه شيء


فلا تيأسي .. مهما حدث



و السلام ..

 
 
 

1 Comment


raulxyz66
Jul 29

عندما قرات العنوان تساءلت بيني وبين نفسي : هل هذه هي هيا العقيل المتفائلة دائما والتي حدثتنا عن مراراً الأمل والتفاؤل والاستمتاع بطيبات الحياة ، لكن ما ان انتهيت من قراءة المقال ، حتى تذكرت بحزن وألم قصة شقيقتي الصغرى التي قضت نحبها بهذا المرض القاتل وهي في ريعان الشباب وتركت خلفها أطفالاً صغاراً! العمر مضى والأطفال كبروا وتخرجوا وتزوج أكبرهم ومنّ الله عليه بطفلة جميلة . قصة ليست من الواقع ، بل هي الواقع نفسه. تحياتي . عبدالرحمن محمود المحمود

Like

Subscribe Form

Thanks for submitting!

  • Facebook
  • Twitter
  • LinkedIn
  • Instagram

©2020 by Haya Alaqeel. Proudly created with Wix.com

bottom of page