top of page

هيتَ لك .. حين تصبح وسائل التواصل الاجتماعي نافذة للاختبار



بقلم : هيا العقيل



منذ عدة أيام.. حين فتحتُ تطبيق الانستغرام لأتابع آخر مستجداته ذات المعنى و غير ذات المعنى كما عوَّدَنا تطبيق مثله، وجدتُ في صندوق الرسائل أنّ صديقة لي كانت قد شاركتني من الليلة الماضية صورة لامرأة تجلس في بهو فندق و ترتدي ملابس كاشفة و مكياج كامل، و لا يخلو وجهها من آثار عمليات التجميل، و أخرى تجلس على كرسي خشبي في حديقة تحمل كوب قهوة ورقي تحتضنه بيدها ذات الأظافر الطويلة - جدا - و المدببة الأطراف المطلية باللون الأحمر، تساءلتُ بيني و بين نفسي عن مناسبة إرسالها لمثل هذه الصور؛ إذ أني لم أجد فيها أي معلومة أو حكمة أو مقولة كعادة صديقتي حين تشاركني الصور و مقاطع الڤيديو


لكن سرعان ما بهتَ الاستغراب الذي راودني للحظة حين قرأتُ الرسالة التي أتبعَتْها بالصور، حيث كتبتْ :


انظري لزوجي (الخمسيني) الذي تودّين لو يصبح أولادك مثله أنت و غيرك من متابعينه؛ يعطينا نصائح عن المعنى و الأخلاق و القيم صباحا، ثم يعطي لايك Like لمثل هذه الأشكال ليلا !


لم أردّ عليها عبر الرسائل؛ فأنا أحيانا أعبّر عن نفسي بالكتابة أكثر، وأحيانا أخرى أجدني أميل إلى الكلام أكثر . وهذه المرة اخترتُ الثانية لسهولتها، إذ لم أكن في مزاج يسمح لي بالكتابة، خاصة أني قد كنتُ يومها جليسة فراشي و قد أرهقني التعب


أغلقتُ التطبيق واتصلتُ بها لندردش قليلا


قالت لي بشيء من التهكم :

شفتي المشهور اللي عاجبكم كلكم و مبسوطين عليه، يقوم بعمل إعجاب ( لايك ) لصورة امرأة لا تسوى فلس في سوق النساء؛ لا حضور، و لا علم، و لا فهم، و لا هيبة، و لا حتى جمال؛ ادخلي لحسابها الذي يحوي لحم رخيص معروض في كل صورة من صورها؛ حتى في غرفة نومها، و للأسف وجد من يُعجب به ممن اعتقدنا أنهم "خيرة الناس في المجتمع"، ثم ضحكتْ باستهزاء : هذا الذي لديه ملايين المتابعين و تسمّونه ( مؤثر ذو رسالة هادفة )، انظري لهذه الرسالة الهادفة !


ثم أردفتْ مكمِلة :

ولأزيدكِ من الشعر بيت؛ أتدرين من الذي لفت نظري إلى هذا الأمر ؟ إنها ابنتي المراهقة، جاءتني تخبرني أن والدها يضع إعجابات (Like) على صور لنساء يظهرن بأشكال وملابس لطالما منعها هي من الظهور بها، ثم سألتني : كيف يمكن أن يرفض أبي عليَّ شيء في شكلي وجسدي، بينما يُعجب بالنساء اللواتي يفعلن الشيء نفسه الذي ينهاني عنه؟ كانت تسأل عن التناقض في القواعد و المبادئ التي يُطلب منا الالتزام بها، و لا يلتزم بها مَن وضعها


ثم أخذتْ تفضفض أكثر و تسترسل في ذكر تفاصيل كل واحدة من أولئك النساء في تلك الصور، و تستخرج من ملامحهن و حركاتهن ما لم أكن لألتفت إليه


حاولتُ أن أستمع إليها أكثر مما أتكلم في البداية، إذ شعرت أنها تريد التنفيس أكثر منه رغبتها في سماع نصائح أو حلول، و كان واضحا أن الغيرة تسيطر على مشاعرها


كانت صديقتي هذه تتمتع بصفات ربما افتقرن إليها أولئك النساء اللواتي في الصور ؛ التزام، و حضور لافت، وعلم، وفهم، وجمال، وثقافة. ولم يكن ذلك مجرد انطباع شخصي مني، بل كانت تلك الصفات موضع تقدير ممن حولها أيضا، وعلى رأسهم زوجها؛ رجل عُرف هو الآخر بالثقافة والأدب والاحترام و الالتزام، وقد اختارها عن قناعة لتكون رفيقة دربه وأم لأولاده


تحليلي للموقف أخذ منحى يتعلق بنا نحن معشر النساء، نحن اللواتي ترفعنا كلمة جميلة لأعلى الأعالي، و تهوي بنا كلمة قاسية إلى أدنى البقاعِ - معظمنا و ليس جميعنا - و كيف لا و نحن اللواتي استوصى بنا الرسول خيرا، لأنه يعلم أن ضعفنا الأنثوي - ذاك الذي هو جزء من تركيبتنا و معجزة الخالق التي أودعها فينا - يحتاج دوما لتذكير من حولنا به، و كيف لا و نحن من قال فينا : ( رفقا بالقوارير )، و القارورة لا تُعامل بخشونة، ولا تُمسك بعنف، وإنما تحتاج إلى رفق ولين وعناية و لطف، و إلا كُسرت. و حتى في أصعب اللحظات؛ تلك التي يعلم فيها الإنسان بدنو أجله، فيستعدّ لوداع هذه الدنيا بما فيها من أهل و أصحاب و أحباب، جاءت وصية نبينا الحبيب بالنساء في خطبة الوداع، ليذكرنا حتى اللحظة الأخيرة  بأن الرفق بهن ليس ترف، وإنما خُلق ومسؤولية وأمانة. فالمرأة مهما بدت قوية ومتماسكة، تظل مرهفة الحس، رقيقة الشعور؛ قد تؤثر فيها كلمة، أو نظرة، أو حتى لمسة


و كلام كهذا إنما يليق بالمرأة التي تتقبل حقيقة كونها امرأة، و تدرك أن أنوثتها قوة و ليست ضعف، و أن الرجل شريك لها لا ندّا تسعى إلى منافسته، و لا خصما تحاول أن تثبت له أنها قادرة على التفوّق عليه

و كلام كهذا إنما يليق بالمرأة التي تتقبل حقيقة كونها امرأة، و تدرك أن أنوثتها قوة و ليست ضعف، و أن الرجل شريك لها لا ندّا تسعى إلى منافسته، و لا خصما تحاول أن تثبت له أنها قادرة على التفوّق عليه . و هو أيضا للرجل الحقيقي ذلك الذي يتحمّل مسؤولية أن يكون قائدا و مسؤولا عن رعيّته، لا مجرد كائن من جنس الذكور، لا يرى في الرجولة إلا استعراض القوة و التباهي بما تتباهى به البهائم لجذب الحسناوات من جنسها، معتقِدا أن ذلك كفيل بأن يجعله رجل، و هو في حقيقة الأمر لا يتجاوز البهيمة في هيئة بشر


ثم فكرت كيف يمكننا أن نقوى دون أن نخسر ذواتنا، و دون أن تتخوشن أنوثتنا، و دون أن تتخربش صفحات قلوبنا، و دون أن تشوّهنا معاركنا الخاسرة التي لا بد و أن نخوضها بين الحين و الآخر في هذه الدنيا


و وجدتني في نهاية الاتصال أقول لها، بعد أن أفرغتْ مافي جعبتها -إلى حد ما-  :


عزيزتي أتفهم شعورك .. و لا أعرف كيف كنت سأتصرف لو كنت مكانك لكن ما أعرفه هو أنك لست محطة يقف عندها أحد.. و أنك أنت الوجهة و الهدف، صدّقيني.. ما دمتِ تبذلين جهدا بما يرضي الله لتحافظي على زوجك الذي تحبينه، و تقومين بمهمة ( السعي ) قدر استطاعتك، ثمّ أنت تنطلقين في الحياة، فأنت تكونين قد قمتِ بواجبك و أخذتي بالأسباب، إذ ليس مطلوبا منك أن تنهكي نفسك بالنتائج، كما أنك لن تحاسَبي على النتائج مهما كانت


ثم لنكن واقعيين.. النساء كثر، و هنّ في كل مكان، و إن كنتِ ستقفين عند كل امرأة تقارنين نفسك بها، و بجمالها، و حضورها، و و و ...

فماذا بقي منك، و من تفرّدك و تميّزك، و من وقتك كإنسانة كرّمها الله و أعطاها فرصة الحياة على هذه الأرض لتؤدي مهمتها قبل الرحيل؟ فالوقت قصير لا تقصرينه أكثر بكثرة التوقف عند كل صغيرة و كبيرة

 

هؤلاء النساء، ما هنّ سوى محطات و اختبارات في طريق الفارغين من النساء و ليس فقط من الرجال؛ أما المرأة التي تعرف قدرها فلا تنتظر من يطبّل لها، هي الأصل و ليست التقليد التي يسعى إليها الرجل الحقيقي، و ليس الذكر الغريزي


أن تغار المرأة على من تحب، فهذا شعور جميل لا ينتقص من قدرها، بل على العكس يزيد جمالها جمال إن كان في حدّه الطبيعي، أما أن تربط قيمتها الذاتية صعودا و هبوطا بردة فعله، فهذا في حدّ ذاته مصدر خرابها الداخلي الذي سينتقل رويدا رويدا لمظهرها الخارجي و لمحيطها بكل ما فيه.. صدّقيني مَن سيبقى معنا في النهاية هو من يريد أن يبقى، و من سيرحل هو من كان ينتظر الرحيل منذ زمن لكن لم تأته الفرصة بعد 


أما أن تغترّي بنفسك، وتعتقدي أنك المسيطرة، وتحاولي جاهدة أن تتمسكي بشخص - أيّا كان - بشطارتك وجهدك، فهذا لن يجدي نفعا، خصوصا في زمننا هذا؛ زمن لم تعد فيه امرأة واحدة تقول للرجل: هيت لك، بل ملايين النساء، من شتى بقاع الأرض، يقلن له: هيتَ لك… ولغيرك


لذا، التفتي لنفسك، و ثقي بربّك، و أحبّي من حولك، و كوني معطاءة، و لا تبخلي بهذا العطاء على نفسك أيضا؛ فهو عبادة و ليس تمنّنا منك على ذاتك، و هوّني عليها في الوقت نفسه و لا تحمّليها فوق طاقتها، فصدّقيني، لا شيء بعد دينك أثمن من صحتك وعافيتك


لا تحبي أحدا حبا يُنسيكِ نفسك مهما كان، سوى رب العالمين، هو الوحيد الذي مهما عظم حبّه في قلبك صَغُر كل حب آخر أمامه مهما بلغ، فهو سعادة و جنة لك في الأرض، و لن يؤذيك مهما تعلّقتي به و أظهرت ضعفك بين يديه؛ بل على العكس سيُكرمك و يُعزّك و يرفع قدرك بين أهل السماء قبل أهل الأرض، أما غيره فمهما كان حبه لك و حبك له؛ سواءا أكان قريب أم بعيد، فقد يأتي يوم تجدين فيه كل هذا الحب و كأنه لم يكن، لا بل في بعض الأحيان قد يتحول إلى كره و بغض، ومن جميل ما يُروى عن النبي ﷺ: «أحبِبْ حبيبَك هَوْنا ما، عسى أن يكون بغيضَك يوما ما، وأبغِضْ بغيضَك هَوْنا ما، عسى أن يكون حبيبَك يوما ما»؛ هي دعوة إلى الاعتدال في الحب و المشاعر، و في ألا يبالغ الإنسان و يرفع سقف توقعاته مع الآخرين، فالمشاعر والعلاقات قد تتبدل مع الأيام


صدّقيني، إنهن قشور .. و أنتِ أغلى من أن تضعي نفسك في مقارنة مع القشور !


ثم إنه في عالم وسائل التواصل الاجتماعي في أحيان كثيرة قد يضغط الشخص على صور بلا قصد منه، كم مرة حدثت معك و معي و مع الجميع، صدّقيني أحيانا أضغط زر الإعجاب Like لشيء لا يعجبني أبدا فقط عن طريق الخطأ، ثم يختفي و لا أعرف كيف أقوم بإزالته؛ لذا أحسني ظنك بزوجك و التمسي له عذرا، خاصة إن كان هذا التصرف جديد عليه


 قالت لي : لطالما أحببت فيه ذاك الرجل الفخم الذي لا يلتفت لكل امرأة تمرّ أمامه كما هم كثير من الرجال؛ أقصد الذكور، لقد بدأ يسقط من عيني بالتدريج، و كما يقولون (ما يسقط بالتدريج لا يعود أبدا كما كان ). أتذكرين نقاشنا القديم الطويل حول تلك المقولة الفرنسية : (الرجل الحقيقي ليس من يُغري أكثر من امرأة.. بل الذي يُغري المرأة نفسها أكثر من مرّة)، كان هو في نظري ذاك الرجل (الحقيقي ) لسنوات، لكن لا تسأليني كيف، ف نظرتي له بدأت تتغير ، و ثقتي بنفسي بدأت تهتز


أجبتها ممازحة : طبعا أذكر، لطالما كنت تنتقين كل نادر في كل شيء، و كل شيء يمكن أن يعود كما كان بل أجمل، إن أردنا له العودة. أتذكرين أيضا كيف قلنا يومها أن هذا ينطبق على المرأة كذلك؟ ( المرأة الحقيقية ليست من تغري أكثر من رجل، بل التي تغري الرجل نفسه أكثر من مرّة)



أكملتْ بنرة حزينة :

أشعر بالحزن الشديد و لا تسأليني لماذا.. ماذا تفعلين لو كنت في مكاني ؟


أجبتها : لأصدقك القول لا أعلم ماذا سأفعل لو كنت مكانك، لكني دوما ما أُردّد حين يختار أحدهم في حقي البعد، أو التصغير، أو التهميش، و أقول :


أنا يا عزيزي حين أغضب و أحزن، أُعبّر عن ذلك بالكتابة، و العزف، و الرقص، و ركوب الخيل، لا تعتقد أن حزنك يجعلني جليسة غرفة مقفلة أندب فيها حظي


إن الحزن يا عزيزي يطلقني للحياة أكثر من الفرح ..

لأني أحاول أن أتغلّب عليه بأشكال الحياة لا الموت ..



إن الحزن يا عزيزي يطلقني للحياة أكثر من الفرح

لأني أحاول أن أتغلّب عليه بأشكال الحياة لا الموت


لذا تأكد.. حتى بالحزن أنتَ تبنيني و لستَ تهدمني


ف شكرا لك ! ..



يقول الكاتب ڤيكتور هوغو : تعيس جدا من يحبّ الأجساد و الأشكال و الصور فقط، الموت سيدمر كل شيء..حاول أن تحب الأرواح لأنك ستجدها مرة أخرى


و قد صدق فيما قال ..


و السلام

 
 
 

Comments


Subscribe Form

Thanks for submitting!

  • Facebook
  • Twitter
  • LinkedIn
  • Instagram

©2020 by Haya Alaqeel. Proudly created with Wix.com

bottom of page